جريدة الدستور
الخطر الكبير أن يدخلوا إلى الجيتو.
والحقيقة أننى أرى خطوات منتظمة واثقة تدخل إلى الجيتو دون أن تدرك وربما دون أن تقرر (الجيتو هو الحى المغلق الذى كان يعيش داخله اليهود منفصلين عن بقية سكان أى بلد كانوا يعيشون فيه وصار الاسم دلالة بعد ذلك على أى مجموعة تغلق على نفسها مجتمعها).
القوى الاحتجاجية وجيل شباب ثورة 25 يناير وفى قلبهم شباب «فيسبوك» و«تويتر» يحمل أنبل وأعظم شعارات وأهداف الثورة، وهم جيل حراس الحلم، وهو ما يجعل الخوف من دخولهم إلى مجتمع مغلق عليهم منفصل عن جماهير الوطن منقطع الصلة عن بقية القوى الوطنية المختلفة معهم والمخالفة لرأيهم، رعبا حقيقا، ليس عليهم فقط بل على البلد، ثم على أهداف وأحلام الثورة نفسها!
مصر كلها مدينة لهؤلاء الشباب وحماسهم وخيالهم وبراءتهم وجموحهم وشجاعتهم، بل وقلة أدبهم، لولا هذه الصفات التى تجسدت وتجمعت فيهم ما كانت شرارة الغضب صارت نارا ولا نار الغضب تحولت إلى نور الثورة، لكن هؤلاء الشباب يفقدون محيطهم الدافئ وهو الجماهير العريضة التى يمثل هؤلاء بالفعل سلاحها، الذى يكاد يكون الوحيد للدفاع عن مصالح البلد حيث تغرق حتى ذقنها القوى والأحزاب السياسية فى الدفاع عن مصالحها هى لا مصالح البلد، بل تحول مصالحها التى تبدو ضيقة وهزلية فى بعض الأحيان كأنها مصلحة البلد شخصيا. الجهة الوحيدة التى ليس لها مصلحة ولا تعرف إلا أهداف وطنها وحلم ثورتها بلا مراوغات ولا التواءات ولا مصالح شخصية لها على الإطلاق هى جيل «فيسبوك» و«تويتر» وشباب القوى الاحتجاجية غير المنظمين فى أحزاب كبيرة تبلع قدرتهم على الاستقلال وتقتل قدرتهم على الخيال، فإذا بهؤلاء تحديدا يشكلون دائرة تضمهم وحدهم الآن مع بعض المثقفين المبهورين بهم إلى حد أنهم لا يقدمون لهؤلاء إلى جانب التشارك والتضامن أيا من خبرات النضج ولا وعى التاريخ، بل شعور الإعجاب ببراءة وجسارة هؤلاء الشباب يصنع من المثقفين حولهم جمهورا مبهورا لا قوة تَبصُّر وبصيرة، هذا المجتمع يضيق ولا يتسع للأسف، وهذه خسارة -مرة أخرى أقول- ليست لهم فقط بل لمصر كلها!
إنهم مثلا يخوضون معركة شريفة هى مواجهة محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، وهى قضية فى منتهى الخطورة والأهمية، وهم يقاتلون فيها بكل بسالة وشجاعة، لكنهم وسط غمارها ينسون توسيع دائرة المؤمنين بمعركتهم، هم مشغولون بها عن أى مدد وتأييد، والغريبة أن وقفاتهم أمام النيابة العسكرية حين تستفز أهالى وسكانا فى المنطقة فإذا بالشباب يرى أن هؤلاء هم أهالى وأقارب ضباط يقطنون فى المكان ويكتفون بهذا عذرا، بينما لو بذل هؤلاء الشباب جهدا فى التواصل مع الأهالى فى هذه المنطقة أو غيرها مما يتظاهر فيه الشباب فيجدون عنتا وعنادا وتهجما أو تهكما من أهاليها وأداروا بعدها -لا فى حمى الاشتباك- حوارات ودعوات عن لماذا يقفون هذا الموقف، ولماذا يقولون هذا الكلام، لكسبوا بالتأكيد لعدالة قضيتهم، لعلّى أتذكر يوم جمعة الغضب ونحن نهتف من ميدان الجيزة مرورا بشارع مراد وحتى كوبرى الجلاء حيث عمارات وبيوت يقف فى شرفاتها ونوافذها سكانها وناسها فنهتف عليهم «يا أهالينا انضموا لينا»، وقد نزل الآلاف معنا فى المظاهرات إيمانا بما نفعل وإدراكا لقضية واحدة نشترك فيها، لكن الشباب انشغلوا جدا بدائرتهم فقط وعاشوا فى الفضاء الإلكترونى وفى تجمعاتهم المحتضنة لأفكارهم فقط، بل وظهرت نغمات تعلو فيها نقمة ثم فيها تعالٍ وترفُّع ثم فيها شتائم للشعب الذى وصفوه بحزب الكنبة، بالقطع هذا السلوك نابع عن إيمان الشباب بأنهم على حق وأنهم يدافعون عن بلدهم وثورتهم، لكن تحويل النقمة من ناحية سلطة تعاند وتحاصر إلى اتجاه شعب يتفرج ولا يتعاطف بل ينقم على الشباب أيضا فهذا يكشف خسارة المحيط الشعبى والجماهيرى.
ثم كذلك ينخرط الشباب وقواهم الحية والمحتجة فى موضوعات كثيرة كلها تتميز بالنبل والسموق الأخلاقى كمواجهة حادثة تعذيب مفترضة أو تضامن مع ضحية شرطة، لكن لا جهد يبذلونه فى قضية مهمة ورئيسية كانتخابات البرلمان، فهناك تغيب كامل عنها وهو ما يكشف مشكلات فى ترتيب الأولويات عند الشباب، فبمجرد إجراء الانتخابات سوف يفقد كثير منا شرعية الحديث باسم الناس حيث سيكون للناس ممثلوهم ونوابهم، ثم سيكسب أى موقف حاد وخشن ضد قوى الاحتجاج مصداقية صدوره من منتخَبين فضلا عن أن جمهور الشعب لن يتحمل كثيرا بعد الانتخابات مظاهرات مليونية أو مظاهرات لم تَتَمَليَن، فالمسافة تتسع بين أدوات الثورة مثل المظاهرات والاعتصامات وبين قلب الناس ورضاهم!
الشاهد أن أنبل من فى مصر وأكثرهم شجاعة وجسارة يتكومون داخل دائرة ومجتمع مغلق عليهم، قرروا أن لا يسمعوا إلا أصواتهم وأن لا يسمحوا حتى لآذانهم أن تسمع مخالفيهم، وجاهزون طول الوقت بالتضامن والتعاضد معًا والتهكم والرفض للأغيار!
مجتمع جيتو يخوض معركته دون أى اهتمام بجغرافيا الواقع أو طبوغرافيا الأرض التى يخوض معركته عليها، وهى شجاعة مشرقة، لكن شكلها حتغيّم!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق