المشاركات الشائعة

الأحد، 29 يناير 2012

مصر المدنية تكتسح الشارع والميدان بقلم د/ محمد أبوالغار بالمصرى اليوم


    ٢٩/ ١/ ٢٠١٢
شهدت القاهرة يوم ٢٥ يناير مسيرات جبارة لكل القوى المدنية فى مصر، انطلقت إحدى المظاهرات من ميدان الجيزة مروراً بجامعة القاهرة، حيث اندمجت مع مظاهرة الجامعة، التى تشرفت بالمشاركة فيها حتى وصلنا إلى ميدان التحرير بعد حوالى ثلاث ساعات، وقدر عدد المتظاهرين فيها بمائة ألف متظاهر، وكانت هناك مظاهرات ضخمة أخرى من المعادى، ومن مصطفى محمود بالمهندسين، ومن حدائق القبة، ومن شبرا، تراوح عدد المتظاهرين فى كل منها بين ٥٠ و٧٠ ألف متظاهر، وقد وصلت هذه المظاهرات إلى ميدان التحرير بتنسيق رائع ونظام ممتاز، وكانت هذه المظاهرات تضم شيوخاً وشباباً ونساء من كل الأعمار، ويرتدون مختلف الأزياء، واشترك الأطفال، ومن بينهم حفيدتى ياسمين وعمرها ١٢ عاماً، وكان واضحاً للجميع أن التيار المدنى المصرى قد خرج من مرقده، وبدأ ينظم نفسه، وعندما دخلت هذه المظاهرات الميدان أصبحت هى التيار الغالب بوضوح لا يخطئه أحد، وأصبح شكل الميدان مماثلاُ لأكثر أيامه زحاماً فى فبراير العام الماضى.
وقد قام الإخوان يوم ٢٤ يناير ببناء منصة كبيرة جداً، وتم إيصالها بعدد كبير من الميكروفونات المتصلة بكل أرجاء الميدان، حتى يمكنهم بالصوت العالى الغلوشة على الهتافات والميكروفونات الأخرى، وأدى ذلك إلى مشادات يوم ٢٤ بين شباب الثورة والتيارات المدنية من ناحية، والإخوان المسلمين من ناحية أخرى.
لكن ما المعنى الحقيقى لنزول الملايين من المصريين أصحاب الصوت الهادر فى شوارع القاهرة، وكلها متجهة إلى التحرير فى هدوء حقيقى، ودون حادثة واحدة تؤثر على الأمن؟
المعنى الأول هو أن القوى المدنية المصرية كبيرة الحجم، لكنها غير منظمة، ولم تبذل الجهد الكافى فى الوصول إلى الشارع فى الحوارى والنجوع أثناء الانتخابات، وهو ما بدأت تعمل فيه الآن، والمعنى الثانى هو أن القوى المدنية تمثل فى البرلمان بأقل من قوتها الحقيقية فى الشارع المصرى، لأنها مشتتة وغير متحدة وليس عندها جهاز منظم، لأنها تمثل مجموعات مختلفة وتوجهات عديدة معظمها قريب جداً فى الأفكار، ويجب أن تتوحد جميعاً فى كيان واحد.
والأمر الثالث أنه لا يوجد لدى كل هذه القوى المدنية شعار واحد يجمعها، ويجذب المواطن المصرى إليها، وربما تكون العدالة الاجتماعية هى أقرب الشعارات بعد إعادة صياغتها وتوضيحها للشعب لتكون قريبة لقلب وعقل الشعب المصرى بعد أن تم التأثير عليه عبر سنوات طوال بالشعارات الدينية، التى تعطيه وعوداً رائعة فى الحياة الآخرة.
والأمر الرابع هو الفارق الهائل بين أى تنظيمات تبحث عن الديمقراطية، وبين الجماعات والأحزاب الشمولية، التى يكون الأمر كله فى يد قائدها أو رئيسها، ففى التنظيمات التى تبحث عن ديمقراطية حقيقية هناك مجال كبير وواسع للخلاف والمنافسة بين شخصيات قيادية، والأمر يتطلب دائماً شخصية كاريزمية تؤمن بمبادئ الديمقراطية، حتى يمكنها أن تجمع هؤلاء الأفراد المتميزين حولها.
الأمر الخامس هو النظام الانتخابى، فقد حصل حزب الإخوان على حوالى عشرة ملايين صوت، وحصلت الكتلة المصرية على ما يقرب من ٢.٥ مليون صوت يعنى ٢٥% من أصوات الإخوان، لكن مقاعدها فى البرلمان لم تكن ربع مقاعد الإخوان، وإنما كانت حوالى ٨% فقط من مقاعد الإخوان، والنظم البرلمانية المحترمة العادلة تكون فيها نسبة عدد الأصوات الحاصل عليها الحزب قريبة من نسبة عدد المقاعد الحاصل عليها، وهذا يجب أن يؤخذ فى الاعتبار عند مراجعة النظام الانتخابى.
الأمر السادس هو أن الكتلة المدنية التى انفجرت يوم ٢٥ يناير فى الشارع المصرى يجب أن تلقى رعاية كاملة من رجال الأعمال الذين يؤمنون بالدولة المدنية لدفعها للائتلاف والاندماج فى الأحزاب المدنية التى تدافع عن أفكارهم وهويتهم، وذلك لخلق تكتل وطنى كبير للدولة المدنية الحديثة.
الأمر السابع هو أن هذه القوى التى خرجت بهذه الأعداد شديدة الضخامة يمكنها أن تنزل إلى الشارع مرة أخرى، للدفاع عن أفكارها إذا حاولت القيادات الإسلامية الاعتداء على مدنية الدولة بأى طريقة من الطرق.
ومن الناحية الأخرى، تعثرت مصر بقيادة المجلس العسكرى فى صياغة دستور فى مرحلة مبكرة، وتلا ذلك الفشل الكبير إعادة جهاز الشرطة إلى عمله وتأهيله، مما أدى إلى اختلال كبير فى الأمن بدرجة لم تشهدها مصر من قبل، وأدى ذلك إلى تدهور حالة الاقتصاد، ثم تصرف المجلس العسكرى بتهور شديد فى سلسلة من الأخطاء، التى أدت إلى استشهاد مجموعات من الشباب فى ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، وتلا ذلك فشل إعلامى مذهل بمؤتمرات صحفية أدت إلى مضاعفة حجم الكوارث الأولى، وأخيراً استطاع المجلس أن يفقد شعبيته بين المصريين، ولم يبق إلا التفاهم المنظم مع جماعة الإخوان المسلمين، التى سوف توفر له الخروج الآمن، وتحدد لجنة برلمانية صغيرة لمراجعة ميزانية القوات المسلحة، وأنا أعتقد أن هذا الاتفاق لن يدوم طويلاً، فخلال عامين على أقصى تقدير سوف يتم إلغاء المميزات الخاصة للجيش بواسطة البرلمان، وسوف يخرج الجيش من المعادلة السياسية فى مصر ليصبح جيشاً متفرغاً لحماية الحدود والدفاع عن أرض الوطن، ولا علاقة له بنظام الحكم فى مصر، وذلك لأول مرة منذ عام ١٩٥٢.
وعلى القوى المدنية أن تتكاتف حول مطالب الشعب الحقيقية، وتقف معه حتى يقف الشعب كله وراءها.
قوم يا مصرى مصر دايماً بتناديك

السبت، 28 يناير 2012

حتى تنجح الثورة بقلم د. وسيم السيسى بالمصرى اليوم


     ٢٨/ ١/ ٢٠١٢
جاءت ذكرى ٢٥ يناير الأولى.. امتلأت الميادين بالشعب الواعى الجميل.. دون مشاركة الدولة.. وكأن هذه الثورة ليست ثورة.. ويكفى أن بيان الحكومة فى مجلس الشعب.. عن الشهداء لم يذكر كلمة ثورة مرة واحدة.. بل قال: أحداث ٢٥ يناير!! ما سر هذا العداء؟ لست أدرى!
جاءت ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ للقضاء على ما كان الإنجليز يتفاخرون بأنهم قضوا عليه! وكانوا يقولون: قضينا على ثلاثة أشياء تبدأ بحرف الـ C:
١- CORRUPTION أى الفساد.
٢- CORVEE أى السخرة.
٣- COSH أى الهراوة أو النبوت.
مرت سنة على الثورة، فهل ذهبت هذه الأشياء الثلاثة.. أم أن الفساد كما هو، والسخرة (أجور ورواتب تدفع إلى السرقة أو قبول الرشوة)، وهراوات تحولت إلى سحل، ودهس، وقتل، وفقء عيون، كشف عذرية، وغازات، وسجون دون محاكمات؟!
ثارت إنجلترا حتى طردت لورد كرومر من مصر بعد محاكمة وشنق بضعة أفراد فى دنشواى!! واليوم نجدد العهد والثورة من أجل الملايين التى لا تجد حقها فى الحياة الكريمة، أين أسماء الشهداء حتى على المدارس.. بلاش الشوارع والميادين؟! أين المجرمون الذين قتلوا هؤلاء الشهداء؟! عيد.. بأى حال عدت يا عيد؟!
الذكاء هو القدرة على التعلم، الاستفادة من التجارب الماضية، قدرة الفرد على حل مشاكله اليومية، وعلى هذا الأساس يجب على الثوار الآتى:
١- رمز وليكن الدكتور البرادعى.. يتحدث باسمهم.. فحين نقول ثورة ١٩ نذكر سعد زغلول، ولكن حين نقول ثورة ٢٥.. نذكر اسم مين؟!
٢- إنكار الذات.. هو الطريق الوحيد لإنجاح الثورة.. لأن البديل هو الصراع الرخيص لتأكيد الذات.. تذكروا ما قاله أمير الشعراء:
إلام الخلف بينكموا إلاما
وهذى الضجة الكبرى علاما؟
وفيم يكيد بعضكموا لبعض
وتبدون العداوة والخصاما؟
فلا على حال مصر استقرت
ولا على حال السودان داما!
٣- المطلب الأساسى هو الدستور، فهو الرسم الهندسى للبناء، وهو (الباترون) الذى نفصل، وتختار ونضبط عليه الرؤساء، أما باقى المطالب، كالمحاكمات، والتعويضات فهى قادمة، فالأرض أقسمت ألا تشرب دما أو تكتم سراً إلا بعد القصاص.. ولكم فى القصاص حياة.
الأمير طلال يقول: السعودية والعالم كله يعانى من السلفيين.. (المصرى اليوم ٢٤/١/٢٠١٢) بس.. خلاص.. هذا يكفى!
الشاعر تميم البرغوثى يقول إن آلهة مصر كانت «قرد وتمساح» .. وهو لا يعلم أنهم أول الموحدين وأول الحنفاء (كتب د. نديم السيار)، وأن كلمات: دين، صوم، حج، ماعون، حساب، آخرة، وضوء، كلها كلمات مصرية قديمة.. دخلت إلى العربية (الأنباط)، ولا يعلم أن أهالى مدينة فيلة (أسوان) كانوا يأكلون التماسيح (معجم الحضارة المصرية القديمة ص ١١٣) ويقول تميم: يا عينى على الآلهة بقوا فرجة للسياح، وأقول له: يا عينى على جهلنا بحضارة بلادنا.. أصبحنا مسخرة للسياح! أعجبنى الشيخ على جمعة قوله: اقرأوا يرحمكم الله.. فبناء المستقبل مرهون بالاستناد إلى الماضى، ويقول فرانسيس باكون: إن تقدم أى أمة يبدأ بأن يكون لها تاريخ.. وأنت يا برغوثى تملك أعظم تاريخ..! عتاب رقيق للعزيز يسرى فودة.. أنه سمع البرغوثى ولم يصوبه.. ربما لأن البرنامج كان أوشك على الانتهاء.
بلاغ للنائب العام من المهندس تامر مرعى عن غياب (قد تكون سرقة) لوحة من المتحف المصرى وهى:
PAINTING WITH MYTHOLOGICAL SCENES OF OED PUS- PAINTED PLASTER- HIGHT ٩٨CM, WIDTH ٢٣٩ CM- ROMAN PERIOD (٣٠ BC- ٣١٣ AD) ROOM ٣٤
وهى لوحة من العصر الرومانى عن أوديب غرفة ٣٤ بالمتحف المصرى.. ونحن فى انتظار رد من المسؤولين

القداس الحبشى ابناء الرعد لابونا اسطفانوس رزق

الخميس، 26 يناير 2012

رؤية وائل غنيم للثورة بعد مرور عام عليها

الكاتبه السعودية نادين البدير واللقاء الكامل مع وائل الابراشى

مبارك وزمانه من المنصة إلي الميدان (الحلقة السادسة) .. فى باريس حكايات أخرى!


ربما كان اختيار «مبارك» دون غيره من «المرشحين المحتملين» نوابا لرئيس الجمهورية ــ مفاجئا لى (رغم كل ما كنت عرفته من علاقات سابقة بين الرجلين، خصوصا تلك التجربة المشتركة فى «الخرطوم»!)، لكن احتمال اختياره ــ كما أبدت لى الظروف ــ لم يكن على الأرجح مفاجئا لغيرى.

وفى الواقع فإن «احتمال اختياره» تبدَّت له أمامى إشارات عابرة، وفى بعض الأحيان غامضة، وكانت فى مجملها تكشف تباعا لمحات يصعب إهمالها ــ وكانت فاتحة الإشارات ما حدث ذات صباح من يناير 1982 فى قصر «الإليزيه» فى باريس، وكنت على موعد مع «فرانسوا ميتران»، وكانت تلك مقابلتنا الأولى بعد أن أصبح رئيسا لفرنسا.

كنت قد عرفت «فرانسوا ميتران» مبكرا عندما كان رئيسا للحزب الاشتراكى، ودعوته لزيارة القاهرة، ولبَّى الدعوة، ومن يوم 25 يناير 1974 ولعشرة أيام كان الرجل ضيفا على «الأهرام» وعلىَّ فى مصر، وبالطبع كنت ألقاه كل يوم تقريبا، كما رتبت أن يشارك فى جلسات متعددة مع خبراء من مركز الدراسات السياسية والإستراتيچية ــ ومع عدد من مفكرى «الأهرام» وقتها، وفى هذه الجلسات جرت مناقشة قضايا عديدة سواء فى السياسة الدولية، أو فى التحولات الكبرى التى ظهرت بوادرها على الأفق مع تلك المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة.

وقد كتب «ميتران» بعد ذلك فى كتاب له عنوانه «حبة فى السنبلة» ــ فصلا كاملا عن لقاءاتنا معا، وعن الحوارات التى شارك فيها مع من دعوت من زملائى، كما أنه اهتم فى هذا الفصل من الكتاب طويلا بالعلاقة التى رآها بين الرئيس «السادات» وبينى، وكنت قد اصطحبت الزعيم الاشتراكى معى إلى مقابلة معه فى بيته فى الجيزة.

الإهداء الذي كتبه الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران لكتابه (حبة في السنبلة) لمحمد حسنين هيكل وقد خصص فيه فصلاً كاملاً لزيارته لمصر ولقاءاته في ها وترجمة الإهداء: إلي محمد هيكل بصداقة واحترام، وربما تتعرف - كما آمل - في صفحات هذا الكتاب علي لقاءات واهتمامات مشتركة.  فرانسوا ميتران

وبعد تلك الزيارة إلى مصر أوائل سنة 1974، فإن علاقتى مع «فرانسوا ميتران» توطدت أكثر بلقاءات متكررة فى باريس معظمها فى بيته فى حى «سان چيرمان»، حيث كنا نجلس ساعات الصبح فى مكتبه بالدور العلوى من بيته، ثم نخرج مشيا على الأقدام إلى الغداء فى مطعم «ليب» على ناصية قريبة، ونجلس لحديث يسترسل دون مقاطعة ودون تحفظ.

فرانسوا ميتران 

●●●

وفى مايو 1981 ــ انتخب «ميتران» رئيسا لفرنسا، ثم وقع بعدها بأسابيع أننى وجدت نفسى فى سجن «طرة» مع كثيرين. ومن وراء الأسوار فى «طرة» تسرب إلينا أن الرئيس «ميتران» اتخذ موقفا معارضا ومعلنا ضد اعتقالات سبتمبر فى مصر، وبلغنا أنه دعا المكتب السياسى للحزب الاشتراكى لاجتماع خاص، وأدان هذه الاعتقالات، ولم يكن «ميتران» يستطع إعلان إدانته لها كرئيس للدولة الفرنسية، وكان حله أن يعلنها كرئيس للحزب الاشتراكى، ووصل إلينا أيضا أن الرئيس «السادات» غضب وهدد بقطع العلاقات مع فرنسا، لأنها تدخلت فى الشأن المصرى، حتى وإن كان رئيس الدولة الفرنسى قد أبدى رأيه بوصفه رئيسا للحزب الاشتراكى!


●●●

وهكذا ومع أول رحلة قمت بها لأوروبا بعد الإفراج عنا ــ بعثت إلى الرئيس «ميتران» فى يناير 1982 أبلغه بموعد قدومى إلى «باريس»، ومدة بقائى فيها، تاركا له أن يحدد موعدا نلتقى فيه، ثم كان أن اتصل بى مكتبه يبلغنى دعوة على الإفطار مع الرئيس فى الساعة الثامنة والنصف «صباح الاثنين المقبل».

وعلى الإفطار ومع حديث استمر أكثر من ساعة ونصف الساعة، سألنى «ميتران» عن علاقتى بالرئيس الجديد «مبارك»، وهل أنها طبيعية أو عاصفة، كما كانت مع الرئيس «السادات» فى سنواته الأخيرة، وقلت: «إننى التقيت الرئيس الجديد أخيرا ولعدة ساعات، وأنه يبدو لى رجلا معقولا، يستطيع أن يتعلم من منصبه ويكبر فيه» ــ ولاحظت أن «ميتران» يسمعنى مهتما، دون أن يبدو منه رد فعل، وكانت ملاحظته الوحيدة بإشارة سريعة قوله: «على أى حال إن بعض الناس عندنا يعرفونه جيدا».

وسألته عما يعنيه بهذه الإشارة، وكان رده بنصف ابتسامة، إيماءة إلى تعبير مأثور عن الكاردينال «ريشيليو» السياسى الأكبر فى بداية التاريخ الفرنسى، وهو تعبير Raison d’etat «أسباب دولة»، وتشعب بيننا الحديث، لكنه لفت نظرى أن «ميتران» ذكر أكثر من مرة بعد ذلك اسم الكونت «ألكسندر دى ميرانش» الذى كان مديرا للمخابرات الخارجية الفرنسية SDECE، وبتجربة صحفى فقد راودنى الإحساس بأن هناك فى باريس مَنْ يعرف أكثر عن الرئيس المصرى الجديد، وأن «دى ميرانش» أحدهم.

●●●

وكنت أعرف الكونت «ألكسندر دى ميرانش» من تجربة سابقة رتب لها ــ أيضا ــ رئيس فرنسى (سابق) ــ هو الرئيس «چيسكار ديستان»، الذى قابلته منذ خمس سنوات، وفى صالون نفس المكتب (الذى أقابل فيه «ميتران» الآن).

وفى ذلك اللقاء مع «چيسكار ديستان» كنا جالسين فى الصالون الملحق بالمكتب الرئاسى على مقعدين متواجهين وبيننا مائدة للشاى من طراز «لويس الخامس عشر»، وتحت «چيسكار ديستان» رقدت كلبته «أنتيجون»، وقد أراد تبرير وجودها بأنها لا تستطيع أن تبتعد عنه، بل هى دائما وراءه من غرفة نومه إلى قاعة مكتبه، وحين ناولها قطعة صغيرة من فطائر وضعوها فى طبقه، وجد مناسبا ــ فيما أظن ــ أن يشرح لى مبررا إضافيا لحضورها قائلا: «هى لا تتكلم، وإخلاصها بغير حدود وكتمانها مضمون ومأمون» ــ ثم أضاف: إن ذلك الإخلاص المتجرد نادر فى العلاقات بين البشر!!).

وطال الحديث وتشعَّب وبدا لى أن الرئيس «ديستان» مشغول بأفريقيا، وحديثه مركز عليها، واعتقاده أن تغلغلا شيوعيا يتسرب حثيثا إليها، ثم إلحاحه: «أن العرب يجب أن يتمثَّلوا خطورة الأوضاع فى أفريقيا، لأن التحدى الذى يواجهه العرب والغرب معهم ــ تحدٍ خطر!!».

وأسهب الرئيس «ديستان» فى الشرح: «1ـ قناة السويس مازالت مغلقة، رغم انتهاء حرب «يوم الغفران» (هكذا وصف الرئيس الفرنسى حرب أكتوبر).

2ـ وإمدادات النفط من الخليج تضطر للدوران حول أفريقيا عن طريق «رأس الرجاء الصالح» لكى تصل إلى أوروبا وإلى أمريكا. وأمريكا تستطيع أن تستغنى عن البترول العربى مؤقتا، وأما أوروبا فذلك بالنسبة لها مستحيل.

ودوران ناقلات البترول حول أفريقيا على الممرات البحرية المحيطة بالقارة مكشوف أمام نشاط سوڤييتى يتغلغل فى القارة بجهد يزيد، خصوصا فى القرن الأفريقى، وبالتحديد فى أثيوبيا (وكان نظام «منجستوهيلا مريم» يحكمها وهو لا يخفى هويته الشيوعية).

3 ــ وأوروبا لا تستطيع أن تقبل هذا الانكشاف للممرات البحرية التى تسير عليها ناقلات البترول الغربية.

وبما أن فتح قناة السويس أمام ناقلات البترول مازال معلقا، لأنه مرهون باتفاقيات سلام بين مصر وإسرائيل مباشرة، وبين العرب وإسرائيل بطريق غير مباشر ــ إذن فإن الضرورات تفرض الحد من النفوذ السوڤييتى داخل القارة بكل الوسائل.

4 ــ إن فرنسا اهتمت منذ «ديجول» بوجود سياسى فرنسى ومؤثر فى القارة يحفظ مصالح كثيرة، ويحفظ كذلك صلات حضارية لها قيمتها، وذلك ما دعا «ديجول» إلى إنشاء منظمة «الفرانكفونية»، لكن هذه المنظمة قاصرة فى فعلها السياسى على عكس منظمة «الكومنولث»، لأن الأقاليم الإنجليزية من أفريقيا (يقصد الدول الأفريقية التى كانت تخضع للاستعمار البريطانى، والتى اعتمدت اللغة الإنجليزية)، انضمت إلى «الكومنولث» البريطانى (وهو تنظيم اقتصادى)، فى حين أن فرنسا اختارت الثقافة رابطا عن طريق منظمة «الفرانكفونية»، باعتبار اللغة الفرنسية أساسا مشتركا، لكن «الفرانكفونية» غرقت فى الأدب والثقافة، ونسيت الإستراتيچية والسياسة، ربما تحت تأثير «سنجور» (زعيم السنغال)، ويستدرك الرئيس الفرنسى: لا تنس أن «سنجور» شاعر! ـ وإذا كان ذلك، فقد كانت تكفينا عضوية «اليونيسكو» (منظمة الثقافة والعلوم)، دون داعٍ لـ «الفرانكفونية» ــ  وسألنى «جيسكار ديستان» إذا كان عندى ما يمنع من مقابلة «ألكسندر دى ميرانش»، مع العلم بأنه مدير المخابرات الخارجية الفرنسية، لأنه الرجل الذى يعرف أكثر من غيره عن الخطر السوڤييتى فى أفريقيا، وطرق التصدى له! ــ (وكانت تلك أول مرة أسمع فيها اسم الرجل أو أعرف شيئا عنه).

وقلت «إننى أقابل كل من أستطيع أن أعرف منه جديدا».


●●●

وعلى أى حال فقد انتهت مقابلتنا يومها، بأن قال لى الرئيس «ديستان»: إنه سوف يطلب إلى «ألكسندر»، وهو يقصد الكونت «ألكسندر دى ميرانش» أن يتصل بى فى الفندق الذى أقيم فيه.

وكذلك قابلت «دى ميرانش» لأول مرة، ومن المصادفات أننى عرفت منه قرابته (ابن عم) لصديقة قديمة هى الكونتيسة «تيريز دى سان فال» وهى ــ وقتها ــ مديرة النشر فى «فلاماريون» أكبر دور النشر فى فرنسا، وهى تحوز حق نشر كتبى فى اللغة الفرنسية.

وعندما جاء «دى ميرانش» إلى لقائى فى فندق «الكريون» (الذى كنت أقيم فيه)، إذا هو يدعونى إلى صالون حجزه فى نفس الفندق لكى نتحدث بعيدا عن الجالسين غيرنا فى صالون «الإمبراطورية» حيث انتظرته، وظهر أن أحد مساعديه رتب ــ حيث حجز ــ شاشة عرض ظهرت عليها خريطة أفريقيا وخطوط طرق الملاحة البحرية حولها، مع بيان لعدد وحمولة ناقلات البترول التى تتقاطر على مسالكها كل يوم.

وجلسنا أمام الشاشة الكبيرة، وراح «دى ميرانش» يشرح والخرائط على الشاشة تتغير، وبعض الصور تظهر ومعها لمحات من وثائق وجداول وأرقام، متوافقة مع سياق العرض!!

ــ وكان «دى ميرانش» يتدخل بين الحين والآخر بتعليقات فيها التركيز الشديد على أن فرنسا مازالت قوة كبرى، حتى وإن قبلت باستقلال مستعمراتها!!

ــ وأن أفريقيا مازالت تهمها (وهى لا تستطيع أن تنسحب منها كما فعلت فى آسيا عقب استقلال «ڤيتنام»).

ــ وأن «فرنسا» دولة متوسطية لا تقبل بأى خطر يهدد المتوسط ــ والمتوسط هو «سقف» أفريقيا!!

●●●

وانتهى العرض وراح «دى ميرانش» يتوسع فى الشرح بأن «فرنسا» هى أكبر مستهلك للطاقة فى القارة الأوروبية، وهى لا تملك مباشرة نفوذا على مصادرها فى الخليج، ولذلك فإن حياتها وحياة المجتمع الأوروبى الذى تنتمى إليه معلقة على بتروله، وهى تعتبر نفسها شريكا رئيسيا فى تأمينه، وفى ذلك فإنها تتعاون مع عدد من دول المنطقة، وقد أنشأوا معا «تعاون فعل» (Cooperation D’action).

أضاف «دى ميرانش» أنه من حسن الحظ أن بعض القوى المعنية فى الشرق الأوسط دخلت مع فرنسا فى هذا «التعاون فى الفعل»، وأن «فرنسا» هى التى أقنعت أمريكا وإسرائيل بأن لا تدخلا ضمن مجموعته، حتى لا تؤثر شكوك العرب فيهما على صدق «تعاون الفعل»، بل وقع الاتفاق على أن تكون كلاهما ــ الولايات المتحدة وإسرائيل ــ على علم ــ ومن مسافة بما تقوم به المجموعة، وهذا ضرورى حتى لا يحدث صدام بين الخطط فى الظلام.

وقال «دى ميرانش»: «إنهم اختاروا للمجموعة عنوان «سفارى» (السفر فى الغابات)، لأن نشاط المجموعة الأصلى فى أفريقيا، وقد اختاروا اسما رومانسيا «بالكود» لا يستطيع تحديد معناه أحد إلا إذا كان طرفا فى اللعبة!!

وأضاف «دى ميرانش» أنه من حسن الحظ أن رجالا مثل الملك «الحسن» (فى المغرب)، والملك «فيصل» (فى السعودية)، والشاه «محمد رضا بهلوى» (فى إيران)، والرئيس «السادات» (فى مصر) ــ توفر لديهم بُعد النظر والجسارة لكى يتعاونوا مع فرنسا فى هذه المهمة التى تعنيهم وتؤثر على مصالحهم الحيوية!!

الملك الحسن


واستطرد «دى ميرانش» إلى تحديد المخاطر التى تهدد أفريقيا، بلدا بعد بلد، وكان تركيزه على القرن الأفريقى واضحا، وبعده على الكونجو وأنجولا.

وقال «دى ميرانش»: هذا فى الواقع «تعاون فعل» إستراتيچى، يحقق مصالح مشتركة، ولذلك فإن تنفيذه تم بمعاهدة خاصة ومغلقة بين الدول الخمس.

الملك فيصل

وسألته ــ دون تعليق حتى لا أصد تدفقه فى الشرح ــ عما إذا كانت الدول العربية التى وقَّعت على الاتفاق (فى الواقع معاهدة) تعرف أن هناك تنسيقا مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل، وكان جوابه دون تردد:

«إنهم بالطبع يعرفون، لكننا أعفيناهم جميعا من الحرج، وعهدنا بالتنسيق مع أمريكا إلى «إيران»، ثم إن الولايات المتحدة فى إطار علاقاتها الخاصة مع إسرائيل تتولى إحاطتها علما بما يصح لها أن تعرفه!».


●●●

وكان «دى ميرانش» يظهر اهتماما خاصا بالسعودية، لاعتقاد عنده ــ أفاض فى شرحه ــ بأن الإسلام يجب أن يلعب دورا أساسيا فى حماية النفط، وكان قوله «إنه من حسن الحظ أن أكبر منتج للنفط هو نفسه بيت الأماكن المقدسة لدى المسلمين، و«فرنسا» لا ترى على الإطلاق صداما بين الإسلام وأوروبا، وبالعكس فإن «فرنسا» من أنصار حوار أديان بين الإسلام والغرب، وقد بدأوا بالفعل جهودا مشتركة مع علماء السعودية، وهذه الجهود تلقى تشجيعا من مصر (وكان ذلك صحيحا وإن كان علماء السعودية قد استشعروا الحرج من هذا الحوار، وكان أن أحد مشايخ الأزهر السابقين تحمس لمواصلته فى مصر، وأنشأ فى تلك الجامعة الإسلامية العريقة (الأزهر) مركزا خاصا لهذا الحوار!).

كان رأى «دى ميرانش» وقد قارب على نهاية عرضه «أن المفكرين العرب لابد لهم أن يساعدوا على تفاهم حضارى، بين روح الإسلام وروح أوروبا». أضاف أن «مصر» لها جهود سابقة فى هذا المجال منذ «ذهاب نابليون بونابرت» إلى مصر، وصحيح أن جهود مصر السابقة كانت مدفوعة بمطلب التنوير، إلا أن إرث الثقافة لابد أن يؤدى إلى حماية المصالح الحية لأصحابه»!!

وكنت أسمع باهتمام متفكرا فى مقدرة الدول الكبرى على عرض مصالحها الدائمة فى ظروف متغيرة، وكيف تغطى فعل حرب خفية فى الواقع بغطاء الثقافة والحضارة ــ وحتى الأديان!!

(ثم لقيت «دى ميرانش» مرة ثانية بعد ذلك فى مكتبه، وكان هذه المرة قد أضاف إلى اهتمامه بأفريقيا اهتماما مستجدا بأمريكا الوسطى وبكوبا).

●●●

ومرت سنوات وتغيَّر ساكن قصر «الإليزيه»، وخرج «ديستان» ودخل «ميتران»، وجاء لقائى معه الذى أشرت إليه قبل قليل، والذى تحدَّث فيه بغموض عن «الذين يعرفون مبارك»، وعن مصلحة الدولة Raison D’Etat، وتردَّد فيه اسم «دى ميرانش» أكثر من مرة، وكذلك تصورت أن أحاول لقاءه مرة ثانية، وتوافقت الظروف مع المطالب فإذا بـ«دى ميرانش» نفسه يحاول مقابلتى، وكان وسيطه هذه المرة «ابنة العم» كما يسميها ــ الكونتيسة «تيريز دى سان فال» (مديرة النشر فى مؤسسة «فلاماريون»)، والتى اتصلت بى تقول «إن ابن عمها يرغب فى لقائى، لأنه يريد أن يصحح لى بعض ما نشرته فى كتابى عن الثورة الإيرانية «عودة آية الله» The Return of Ayatollah.

وكانت بعض الفصول من الكتاب قد بدأ نشرها فى جريدة «الفيجارو»، تمهيدا لصدوره عن دار «فلاماريون» ــ وكنت فى ذلك الكتاب قد خصصت فصلا كاملا تعرَّض لأول مرة لسر مجموعة «السافارى»، فقد اطلعت على نصوص المعاهدة التى أنشأت المجموعة، وكان اطلاعى عليها فى قصر «نياڤاران»، حيث المقر الرسمى لعمل ومعيشة شاه إيران، وكان «آية الله الخمينى» قد وجَّه بتسهيل اطلاعى على ما أريد من وثائق العصر الذى قامت الثورة الإيرانية لإسقاطه!

وكانت وثيقة إنشاء المعاهدة وتوقيعها فى اجتماع خاص عُقد فى «جدة»، وقد نشرت أهم نصوصها فى الكتاب، ومع النصوص أسماء من وقَّعوا عليها نيابة عن رؤسائهم، وكان نشر الأسماء قد أحدث ضجة كبرى ذلك الوقت، فقد كان الموقِّعون المفوضون خمسة:

ــ الكونت «دى ميرانش» نفسه (مدير المخابرات الخارجية الفرنسية) ــ عن الرئيس «ديستان».

ــ و«كمال أدهم» (مدير المخابرات العامة السعودية ـ عن الملك «فيصل»).

ــ والچنرال «أحمد الدليمى» (مدير المخابرات المغربية ــ عن الملك «الحسن»).

ــ والچنرال «نعمة الله ناصري» (مدير الساڤاك ــ المخابرات الإيرانية ــ عن الشاه «محمد رضا بهلوى»).

ــ ثم الدكتور «أشرف مروان» (مدير مكتب الرئيس للمعلومات ــ عن الرئيس «أنور السادات»).


●●●

والآن كان الموضوع الذى تضايق منه «ألكسندر دى ميرانش» وجاء يطلب تصحيحه، هو ما قلته عما جرى لأحد نوابه، وكيف سُرقت منه حقيبة أوراقه أثناء مروره من مطار «الدار البيضاء» عقب اجتماع سرى فى المغرب، ثم إن هذا الچنرال جرى لومه على أن عملاء سوڤييت (بالطبع ــ ومن غيرهم؟!!) استطاعوا أن يسرقوا حقيبة أوراقه، وفيها أسرار مهمة، وكنت فى الكتاب قد أضفت أن الچنرال الفرنسى المسئول جرى قتله بعد ذلك، وقيل إن ذلك كان عقابه!!

وكان ما ضايق الكونت «دى ميرانش» أن ما قلته فى الكتاب قد يوحى بأنه هو «دى ميرانش» ــ رئيسه المباشر ــ مَنْ أصدر الأمر بتصفيته عقابا له، والآن كان «دى ميرانش» يطلب منى أن أضيف توضيحا إلى الطبعة الفرنسية من الكتاب (على الأقل)، وقد عرف من ابنة عمه (الكونتيسة «دى سان فال» ــ مديرة النشر فى «فلاماريون») أنه على وشك الصدور، وإلا فإنه سوف يضطر آسفا إلى رفع قضية «قذف» على «فلاماريون» كناشر للكتاب، وعلىَّ معها كمؤلف له!!

وكان «دى ميرانش» فى ذلك الوقت، ومن قبل دخول «فرانسوا ميتران» إلى قصر «الإليزيه» قد اعتزل منصبه!

والآن أصبح حرا، وانفكت إلى حد ما عقدة لسانه، بل إن حديثه أصبح أكثر تدفقا وحيوية.

●●●

والتقينا ومعنا فى بداية اللقاء ابنة عمه «تيريز دى سان فال»، وكنا هذه المرة جالسين فى ركن على بركة السباحة فى حديقة فندق «ريتز» فى ميدان «فاندوم» الشهير، بعامود الصلب الذى صنعه «نابليون بونابرت» من المدافع التى غنمها فى معركة «استرليتز»!!

ومع أن موعدنا كان العاشرة صباحا، فقد أدهشنى أن «دى ميرانش» وقد سألته إذا كان يريد فنجان قهوة، أنه أجاب بسؤال عما إذا كان يضايقنى أن يطلب كأسا من «الويسكى».


وربما بتأثير ذلك الغموض فى إشارة الرئيس «ميتران» قبل أيام إلى أن هناك «عندنا من يعرفون الرئيس المصرى الجديد»، ثم تردد اسم «دى ميرانش» بعد ذلك مرتين على الأقل، أننى سألته مباشرة:

ــ يظهر أنك تعرف رئيسنا الجديد، كذلك أحسست من إشارة أثناء لقاء مع الرئيس الفرنسى «ميتران» أول هذا الأسبوع.

ونظر إلىَّ «دى ميرانش»، وعيناه تلمعان:

ــ طبعا.. طبعا أعرفه، لقيته فى إطار مجموعة «السافارى» التى أذكر أننى حدثتك عنها قبل سنوات.

فى البداية: كان «أشرف مروان» هو الذى يمثل الرئيس «السادات» فى المجموعة.

وبعد سنتين غاب «أشرف مروان» وحل محله «مبارك»!


●●●

ثم راح «دى ميرانش» يتحدث منطلقا فى الحديث، وربما طمأنه أنه الآن عرف أننى على اتصال برئيسين فرنسيين: «چيسكار ديستان»، والآن «فرانسوا ميتران».

وتحدَّث «دى ميرانش» عن نشأة المجموعة، وكيف أنها بدأت فى منتصف السبعينيات، وبعد سقوط الرئيس «ريتشارد نيكسون» بسبب فضيحة «ووترچيت» سنة 1974، وبسببها ــ أيضا ــ فإن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (C.I.A) وهى العملاق الأكبر فى عالم المخابرات تعطَّلت، لأنها أصبحت موضع تحقيقات واسعة فى الكونجرس، بعدما ظهر تورطها فى العمل داخل الولايات المتحدة نفسها، على عكس قانونها ــ ثم زاد أن الرئيس الأمريكى الجديد ــ بعد خروج «نيكسون» من البيت الأبيض ــ وهو الرئيس «جيرالد فورد» قرر هو الآخر إنشاء لجنة خاصة ــ رأسها نائبه «نلسون روكفللر» ــ للتحقيق فى تجاوزات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التى طال لهذه الأسباب تعطلها، خصوصا بعد أن قام الكونجرس بتجميد الاعتمادات المالية المرصودة لها.

ويستطرد «دى ميرانش»:
«وفى ذلك الوقت وجدنا أننا من المحتم علينا أن نتحرك على مسئوليتنا، ودعونا أصدقاءنا وأصدقاء الولايات المتحدة كى يتعاونوا معنا، وكانت المملكة العربية السعودية جاهزة بالتمويل، وكنتم أنتم فى مصر مستعدين بمعسكرات التدريب، وكان المغرب مستعدا بعناصر بشرية، وكان شاه إيران داعما بكل الوسائل (At large).

وكان «أشرف مروان» ممثل مصر، ثم اختفى ــ كما قلت لك ــ وظهر «مبارك» نائب الرئيس.

ثم توقف «دى ميرانش» بطلب كأس آخر من الويسكى، ثم استأنف حديثه:

ــ «تسألنى عن «مبارك» ــ أعرفه ــ أعرفه طبعا يا صديقى، كان معنا فى جلسات «السافارى»، حيث عقدناها فى «جدة» مرات، وفى «القاهرة» مرات، وفى «طهران» مرات، وفى «المغرب» مرات، لكننا لم نعقد اجتماعات كثيرة فى «فرنسا»، حتى لا تتصور واشنطن أننا نريد هيمنة على المجموعة.

كانت الـ C.I.A حساسة جدا، مع أننا كنا نطلعهم على كل شىء، وكانوا يقومون بإطلاع إسرائيل التى طلبت أن تشارك فى نشاطنا، لأن لها موارد مخابراتية لها قيمتها فى أفريقيا، ولكننا اعتذرنا عن طلبها حتى لا تشعر السعودية بالحرج، ولم يكن هناك حرج لدى المصريين ولا لدى المغاربة، فلديهم علاقات مباشرة مع إسرائيل!».

وعاد «دى ميرانش» إلى ذِكر «مبارك»: «نعم.. نعم أعرفه، كان معنا لسنوات».

وارتكبت خطأ فيما أظن، فقد سألته عن مجال ما كان «مبارك» مهتما به، ويظهر أن السؤال أثار لديه طبائع رجل المخابرات، فقد توقف متحفظا «بأنه لا يستطيع أن يدخل فى تفصيل عمليات بالذات!».

وبينما كان لقاؤنا يقارب نهايته، أضاف «دى ميرانش» لمحة أخرى عن «مبارك» ـ فقد قال: «أنه «تابَع» «مبارك» منذ أن ظهرت صورته لأول مرة «أمامهم» فى أجواء صفقة طائرات «الميراچ» التى عقدتها ليبيا مع فرنسا سنة 1971، وهى صفقة كبيرة حجمها 106 طائرات».

وقال «دى ميرانش»: «كنا نعرف أن ليبيا تعقد هذه الصفقة لصالح مصر ولمساعدتها فى حرب 1973، ولذلك رحنا نراقب باهتمام، وفى الواقع فقد رصدنا وفد المفاوضات الذى بدأ التفاوض فى الصفقة مع شركة «طومسون» وكانوا جميعا ضباطا من سلاح الطيران المصرى «أعطوهم» جوازات سفر ليبية لإقناعنا أنهم ليبيون، لكننا عرفنا حقيقة أمرهم» ــ أضاف «ذلك لم يعد الآن سرا».

واستطرد «دى ميرانش»: «فى هذا الوقت لمحت «مبارك» لأول مرة، فقد حدث خلاف بين بعض الذين شاركوا فى مفاوضات عقد الصفقة، وكانوا قد تركوا سلاح الطيران المصرى وكوَّنوا شركة بينهم، ثم اختلفوا واشتد خلافهم لأسباب، وظهر «مبارك» يصالحهم مع بعضهم بالحرص على علاقاتهم معا، وهم فى الأصل من ضباطه، وكان علينا أن نرصد كل شىء، لأن الصفقة كلها أحاطت بها ظروف غير عادية!!

وأحسست أن «دى ميرانش» عاوده حذر رجل المخابرات القديم، فتوقفت ولم أشأ أن أعلِّق بكلمة!!

●●●

ولم أزد وبدا لى أنه لن يقول أكثر مما قال، ومع ذلك فإن «دى ميرانش» راح يردد اسم «مبارك» ويضيف وبنبرة دهشة لم يستطع إخفاءها، يقول:

«هل ترى الأقدار؟! أنا أجد نفسى الآن فى التقاعد، وزميلى السابق فى «مجموعة السافارى» على رئاسة الدولة المصرية!!».

ويضيف: و«أنا ختمت حياتى العملية فى الظل، وهو الآن يبدأ صفحة جديدة تحت الأضواء الباهرة!!».

ويزيد بصيغة التعجب: «مقادير.. مقادير يا عزيزى!!».


●●●

ومن الغريب بعدها ــ وهذه إضافة بالزيادة ــ أن التفاصيل سعت إلىَّ بعد ذلك، وبنفسها، فقد حدث فى سبتمبر 2008 أننى كنت فى «باريس»، والتقيت مصادفة فى صالة فندق «بريستول» بالسيد «عبد السلام جلود»، الذى كان رئيسا لوزراء ليبيا بعد ثورة سبتمبر 1969 (وكان «جلود» فى زمانه هو الرجل الثانى فى قيادة الثورة بعد «معمر القذافى»)، وكنت فى صالة «البريستول» أنتظر ضيفا موعده بعد نصف ساعة، ودعوت «جلود» للجلوس فى الحديقة الداخلية للفندق، وراح «جلود» يحكى، وتطرَّق إلى صفقة «الميراچ» مع فرنسا، مؤكدا أن قيمتها كانت 4 مليارات دولار، ثم استطرد فى التفاصيل، ومن حسن الحظ أن هذا الجزء من الحديث جرى أمام شاهد هو ضيفى الذى كنت أنتظره أصلا، وهو الدكتور «غسان سلامة» (المفكر اللامع ووزير الثقافة اللبنانى الأسبق، وهو الآن أستاذ فى جامعة «باريس»)، ودعوته للجلوس مع «عبدالسلام جلود» وسألنى «جلود» بعد أن قدمت إليه ضيفى همسا: «هل تثق فيه»؟!! – وأكدت له ثقتى فى «غسان سلامة»، واستأنف «جلود» واستفاض فى الحديث، لكنى لا أستطيع أن أنقل كثيرا مما سمعت، فليس لدىَّ مصدر ثانٍ يؤكد ما رواه، وفى أصول المهنة كما أعرفها أننى إذا لم أشهد بنفسى وقائع ما أتحدث فيه، فمن الضرورى تأكيدها قبل نشرها بشهادة مصدر ثانٍ، ولم أجد مصدرا ثانيا لما سمعت وقتها فى صالون فندق «البريستول»، وعلى أية حال فإن «عبد السلام جلود» يستطيع تفصيل روايته إذا شاء!!

منافق.. خائف.. خائن.. محايد



  بقلم   نادين البدير    ٢٦/ ١/ ٢٠١٢
حيادى.. لا رأى لك مهما كان الظرف. سلبى.. تلتزم الصمت وتستكين ماشياً ملتصقاً بأى جدار يصادفك كأفضل وسائل الحماية.. وتتعذر، تبرر بأنك مشغول أو غير مقتنع بالمشاركة أو أن الآخرين قد احتلوا الساحة، يلح عليك الوطن لإعلان موقفك، تتجاهله متعلقاً بمبادئ الحياد وبكل خيوط الوسط.
مع هيجان الشعوب العربية بدأ المحايدون يتقلصون، صارت السلبية صفة سيئة السمعة والحياد تهمة. من غير المعقول أن ينزل شباب دون العشرين للساحة لا يحميهم سوى أجسادهم وتلزم أنت بيتك وصالونك الثقافى الخاص وأحاديثك العائلية التى تخشى أن يتسرب شىء منها للخارج.
بعد لقائى مع الأستاذ وائل الإبراشى فى برنامجه «الحقيقة» على قناة «دريم» بخصوص هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى السعودية، وبعد أن قامت قيامة البعض ولم تقعد بسبب تصريحاتى التى جئت بها من الحقيقة، وصادف أن تظهر فى برنامج يحمل اسمها، دخلت فى جدل مع صحفى سعودى شهير.. اتصل بى لينصحنى كيلا أعلن عن مواقفى، لأن الحياد صفة أساسية فى الإعلامى.. تقصد أن أخون؟!
نعم أكون محايدة فى المادة الصحفية فأنقل الخبر كاملاً وأكون محايدة فأعرض كل الآراء وألتزم الحياد فى برنامجى التليفزيونى وأحاور التيارات المختلفة، حتى حين عقدت حلقة عن الهيئة حاولت ألا أميل لأى طرف.. أريد أن أسمع ويسمع المشاهد كل وجهات النظر، لكن أن أرى تخبطاً فى وطنى وأتوقف عن الكتابة أو إبداء الرأى وألزم الخرس باسم الحياد.. مستحيل.
حتى البرنامج التليفزيونى يجب أن يكون له موقف من قضايا محسومة ولا تحتمل الحياد، كالفساد مثلاً. الصحفى الشهير لا يتداول مواقفه سوى أفراد عائلته، لا أحد يعرف ما يدور فى ذهنه.. هذه هى المهنية فى نظره.
إن كانت مؤسسات المجتمع المدنى غائبة وكان البرلمان بالتعيين لا الانتخاب، أى لا يمثل الشعب تمثيلاً حقيقياً، وكانت الجرأة لدى المواطن الغلبان غائبة وكان الإعلامى محايداً.. فمن يتكلم إذن؟
اليوم، ووسط غياب كل وسائل الاتصال بين القمم والقاعدة العريضة، فإن الإعلامى هو وسيلة الشعب الوحيدة لإيصال أصواتهم لـ«الناس اللى فوق». هو ليس موظفاً عادياً من حقه أن يختار شعور الخوف.. من قرر دخول الإعلام قد قرر دخول ساحات معارك لا نهاية لها، ومن يدخل القتال يعلم أن احتمال حياته متساو مع احتمال عدمها، رغم أنه قتال محسوم النتيجة لأن النصر دائماً حليف حرية الكلمة وإن راح صاحبها. الإعلامى يكشف عن المستور، يفضح، يثير، ينتقد، ويلقى الذعر لدى المسؤولين حين يشعرهم بأنه يقف لهم بالمرصاد.. لن يمر هذا كله دون أثمان، لكنها فى رأيى سعادة، وكل سعادة لها فجواتها.
لا أسمى الخسائر أثماناً ولا أسميها خسائر، أنظر فقط للمكسب الحقيقى الذى لا ثمن له، وهو الكشف عن الأخطاء والظلم والانتصار للمواطن. ولا أسمى صفحات الرأى ساحات قتال، إنما ساحات تحرر.
أما أن يستكين الإعلامى ويتحول لببغاء يردد ما يسمع ويقرأ (سواء فى الصحافة الورقية أو التليفزيونية) فهذه خيانة للمهنة التى لا تعرف الحياد المطلق فى إعلان المواقف الحاسمة، وعودته إلى منزله أفضل له من تشويه المكان الأكثر حرية ودفاعاً عن العدالة.
الإعلامى الذى لا موقف له هو شاعر البلاط الذى أتحدث عنه دائماً، إعلامى المديح، سليل شعراء السلطان. النفاق، التقلب، الازدواجية.. تلك صفاته الأساسية.
مقاله اليوم يختلف مائة درجة عن مقاله فى الغد، ومقال بعد غد قد يعود ليطابق مقاله اليوم.. بوق يتبع السلطة، يتبعها باندفاع يخجل منه حتى الأطفال.
أجبته: مارست الإعلام لأنه رسالة، ثم إن الإعلامى ليس موظفاً هدفه راتب آخر الشهر فقط.. هو محارب مشارك رئيسى فى الشأن العام.
رد الشهير: أنا دخلت الإعلام لأتقاضى راتباً آخر الشهر.. وما علاقتى بما يحدث؟
كيف لا يخجل وهو يعلن عن خيانته؟
باسم الحياد المهنى يتخفى وراء نفاقه وخوفه. باسم الحياد المهنى يخفى الصدق ويربت على أكتاف كل المسؤولين، هذه مهنة لا تعرف الخوف. عن نفسى أكره هذا الشعور، سبق أن قمت بأشياء مجنونة فى حياتى لأتخلص منه، قلت له أخيراً: انظر للثوار من حولك لتعرف ماذا يعنى الحياد وما يعنيه الموقف، مبروك للثوار المصريين عيد حريتهم ومبروك مقادير الجرأة التى أمدوا بها العالم من حولهم، وشعور الخوف العربى المريع الذى تحدوه وقضوا عليه بصراخهم وأجسادهم.. الشهداء منهم والأحياء.

فيلم " اسمي ميدان التحرير " الممنوع من العرض - كامل

الأربعاء، 25 يناير 2012

Cairokee - Ethbat Makanak كايروكي - اثبت مكانك

5×5= 25 يناير لوائل قنديل بالشروق


كان سؤال ماذا نريد من يوم 25 يناير هو الشغل الشاغل لجميع الأطراف، من النخب السياسية والجماهير، حيث تعددت الإجابات واختلفت حول تسليم السلطة، متى ولمن وكيف، وفى وسط هذا الضباب الكثيف تلفت الناس حولهم بحثا عن إجابة جامعة، أو تتمتع بالحد الأدنى من التوافق، حتى كانت ليلة أمس الأول التى فاجأ فيها الدكتور محمد البرادعى ضمير هذه الثورة وملهمها جمهور حفل توقيع كتاب علاء الأسوانى الجديد بالحضور والمشاركة فى نقاش مستفيض حول اللحظة الراهنة فى مسيرة الثورة المصرية.

وعلى مدار ثلاث ساعات أمطرت سماء الأمسية بعديد من الأسئلة، ما صنع حالة من الحوار الخلاق شارك فيه القاضى الجليل المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادى القضاة الأسبق، والروائى العالمى علاء الأسوانى الأستاذ جورج اسحاق أول منسق عام لحركة كفاية والفنان على الحجار، والفنانة آثار الحكيم، والفنانة عزة بلبع وعدد كبير من الجمهور، حيث تمحور النقاش حول ضرورة تكوين جبهة أو هيئة أو كيان جامع ينشئه الدكتور البرادعى، تأتلف داخله كل قوى الثورة الفاعلة، بما يقود إلى حالة اصطفاف وطنى من جديد تضمن الحفاظ على روح ثورة المصريين وأهدافها.

وفى وسط هذه الأجواء الحماسية المتفائلة طالبت وشاركنى عديد من الحضور الدكتور البرادعى بأن يكون عقلا وضميرا للثورة، من خلال أية صيغة ممكنة، فتحدث الرجل عن ضرورة تحديد مطالب خمسة يلتف حولها الناس اليوم، على رأسها المشاركة فى صياغة الدستور والتعجيل بالانتهاء منه قبل انتخابات الرئاسة، وأن تكون الثورة ومن يمثلها حارسا أمينا على مجريات وضع الدستور والمطالبة بالنزاهة والشفافية ومعرفة كل ما يدور فى الكواليس بخصوص هذا الشأن، وثانيا تحقيق الأمن ومواجهة الانفلات الأمنى، والمطلب الثالث يتعلق بملف الاقتصاد والمساهمة فى الخروج من الوضع المتردى الذى تعانى منه مصر، ورابعا تطهير مؤسسات الدولة وأجهزتها من الفساد وعلى رأسها القضاء والإعلام، وأخيرا العمل على متابعة تنفيذ هذه الأهداف خلال الفترة المقبلة. وكآلية لتحقيق هذه المطالب الخمسة، طلب الجمهور من البرادعى أن يكون على رأس هيئة من خمسة أشخاص تتولى التعبير عن مطالب الثورة وتدير الحوار مع السلطتين التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (المجلس العسكرى والحكومة) لتحقيق هذه المطالب، وأتصور أن هذه الهيئة يمكن أن تتشكل من الدكتور محمد البرادعى والمستشار زكريا عبدالعزيز الذى أبدى ترحيبه بالفكرة، ويمكن أن تضم الدكتور حسام عيسى واثنين من شباب الثورة مثل الدكتور أحمد حرارة والناشط علاء عبدالفتاح. ولم يبد البرادعى ممانعة لهذه الفكرة، غير أنه فضل أن تختار الميادين من تراه لهذه الهيئة، دون أن يفرض عليها اسمه أو أى أسماء أخرى.

وأزعم أن هذه المطالب التى لا يختلف بشأنها أحد من الحريصين على استكمال الثورة، تصلح لتكون برنامج عمل الجمعية العمومية للشعب المصرى التى تنعقد فى ميادين التحرير اليوم.

الثلاثاء، 24 يناير 2012

مبارك وزمانه من المنصة إلي الميدان (الحلقة الخامسة) ..بالشروق! !

 محمد حسنين هيكل
كان الرئيس «مبارك» كما بدا لى وقد طالت جلستنا حتى تلك اللحظة أكثر من ساعتين ــ متشوقا على نحو ما ليسمع، وعندما طلب تأجيل موعد معه فى الساعة العاشرة والنصف، فقد أدركت أننا أمام لقاء سوف يطول، وحتى عندما عرضت الاستئذان كى لا أعطل ارتباطات سابقة له، على أن نعود بعد ذلك ونتقابل فى مناقشة أخرى ــ كان إصراره «أننا الآن هنا ــ إلا إذا كنت «زهقت»، وأكدت أننى لم «أزهق»، ولكن خشيتى على وقته، ولعله أراد طمأنتى ــ وربما إغرائى، فإذا هو يسألنى:

ــ ألا تريد أن تدخن سيجارا ــ أنا أعرف أنك من مدخنى السيجار، وأنا مثلك.

وأبديت الدهشة، فقال إنه لا يظهر فى الصور بالسيجار لكى يتجنب «القرشنة» ــ!ــ لكنه يدخن سيجارا واحدا كل يوم، ثم ضغط على جرس يطلب صندوق السيجار.

وجاء الصندوق مع أحد الضباط، وطلب «مبارك» تقديمه إلى بالإشارة، وأخذت منه سيجارا، وأخذ هو سيجارا.

ثم سألنى وهو يرانى أشعل عود كبريت: «سيجار كويس»؟!!

ولم أقل شيئا، ويظهر أنه أحس أننى لا أشاركه الرأى.

وقلت: «بكل احترام ــ الحقيقة أنه مقبول».

وقال باستنكار: «إيه؟! ــ هذا «روميو وچولييت».

وقلت: «الشركة التى تنتج سيجار «روميو وچولييت» تنتج أكثر من 75 نوعا بعلامتها، وكل نوع منها مختلف عن الآخر».

وسأل «مبارك» باهتمام:

«أُمال إيه بقى السيجار الكويس؟!».

وقلت «بإذنك فى سيارتى علبة صغيرة فيها سيجار، ولم أدخل بها لأنى لم أتصور أنك تدخن، وإذا وافقت نطلبه».

وجاءت العلبة، وعرضت على الرئيس «مبارك» أن يتفضل، فأخذ واحدا منها وأشعله، وكانت ملاحظته: والله أحسن فعلا ــ «غريبة جدا»!!

وقال وهو يستعيد الذكريات:

«عندما كنا نتدرب فى الاتحاد السوڤييتى كطيارين، كنا نشترى هذا السيجار (الذى لم يعجبك!!) ونبعث به إلى قادة السلاح، وكانوا يعتبرون ذلك «فخفخة»!».

ثم عاودته الذكريات فقال:

ــ أيام التدريب فى الاتحاد السوڤييتى كنا فى قاعدة جوية قرب «خاركوف»، وفى الإجازة ننزل إلى «موسكو»، وكنا نخفى الورقة «أم مائة دولار» تحت الشراب بعد أن نغطيها بقطعة من ورق التواليت، (أضاف أن ورق التواليت فى روسيا سميك وخشن مثل الخيش)، ثم نغيرها فى السوق السوداء عن طريق موظف فى مكتب الملحق العسكرى بمبلغ كبير من الروبلات، ونشترى علبا من هذا السيجار ونشحنها إلى قادة السلاح فى مصر. واستطرد: كان «الروبل» بالسعر الرسمى يساوى أكثر من دولار واحد، لكن السعر فى السوق السوداء كان 21 روبلا لكل دولار، فارق كبير، أضاف، «لكن الواد بتاع المكتب العسكرى كان جن».


مبارك ونتينياهو

●●●

وعاد «مبارك» فجذب نفسا من السيجار الذى قدمته له، وقال: «فعلا لك حق هذا أحسن جدا»، ولكنهم (يقصد القادة الذين كان يرسل لهم السيجار) كانوا يعتقدون أن الاتحاد السوڤييتى يأخذ سيجار كوبا مقابل السلاح، وقلت: «ذلك صحيح إلى حد ما، لكن أفضل أنواع السيجار الذى تنتجه كوبا كانت للتصدير بالعملة الصعبة إلى الغرب، وما تبقى من الدرجة الثالثة والرابعة يذهب إلى الاتحاد السوڤييتى ويشتريه الزوار بحُسن نية».

ومد الرئيس «مبارك» يده إلى جرس، فدعى أحد الضباط، ثم التفت وقال:

ــ «محمد» بيه ملِّى عليه كل أنواع السيجار «الكويس»!

وقلت ما مؤداه «أن لكل نوع من السيجار مذاقا، وأن كل مذاق مسألة اختيار، ولذلك فإنه من الصعب على مدخن أن يوصى غيره بنوع معين».

وقال: معلش «ملِّيه» الأنواع «الأبهة» (المتميزة).

وكان الضابط قد أسرع وجاء بورقة وقلم مستعدا لكى أمليه.

وعاد إلى تجربة «السيجار» الذى قدمته له، وقال:

ــ «فعلا كويس جدا».

ثم أضاف ضاحكا:

ــ يا أخى عاوزين نتعلم «العز».

ولفت تعبير «العز» نظرى، وقلت:

إنها ليست مسألة «عز»، ولكنها ظروف، وأنا شخصيا تعلمت تدخين السيجار (لسوء الحظ!) من رجلين: «نجيب الهلالى» (باشا)، ثم «فؤاد سراج الدين» (باشا)، كلاهما فى شبابى كانوا يقدمون لضيوفهم سيجارا عندما يشعلون لأنفسهم واحدا، وكنت أقبل الدعوة من باب «التجربة»، لكنى فيما بعد وقعت فى فخ «العادة»!

وقال «مبارك»:

ــ «إنه لاحظ أن كل الرؤساء الأمريكان يدخنون سيجارا، ويمارسون لعبة الجولف، وأنت أيضا تلعب الجولف».

وقلت بسرعة: «صحيح، ولكن بدون رئاسة».

وبادر معلقا «والله أحسن يا أخى، الناس تتصور أن الرئاسة شىء عظيم، والحقيقة أنها «بلوة»!!».

وقلت شيئا عن لعبة الجولف، وكيف أنها خير معلم للسياسة، وسألنى: كيف؟! ــ وشرحت قدر ما أستطيع لعبة الجولف، وعلاقتها الوثيقة بالعلوم الاستراتيچية.

واستمع إلىَّ باهتمام، ثم كان تعليقه: لكنها لعبة تأخذ وقتا، وأنا أفضل السرعة، ولذلك ألعب الإسكواش، وهى لعبة «موصوفة» للطيارين لشحن قدرتهم على الـ Agility «الاستجابة السريعة».

●●●

وهز «مبارك» رأسه بأسف وقال:

ــ «الآن لا وقت عندى حتى للإسكواش، لأن العبء ثقيل، وطلبات الناس لا تعرف الحدود».

وتوقف «مبارك» وتساءل:

ــ الناس «كده ليه»؟ ــ ليس عندهم إلا طلبات، يحفظون الحقوق وينسون الواجبات، والمصيبة أنهم جميعا «متخانقين»، وطلباتهم متعارضة، لا أعرف كيف تحمَّل الرئيس «جمال» أو الرئيس «أنور»؟! ــ أنا شخصيا، ولم أقض فى الرئاسة إلا شهورا ــ «طلعت روحى»!!

أشار إلى تخبط القوى السياسية، وصخب الصحافة والصحفيين.

وقال «مبارك» ويداه تسبقان إلى التعبير عما يريد قوله:

ــ «والله لو تعبت من كثرة الطلبات والخلافات، سوف أتركها لهم، وأسلم كل شىء للقوات المسلحة، وأترك الجميع «ياكلوا فى بعضهم»، وأخلِّص نفسي!!».

(وكأنها كانت نبوءة مبكرة!!).

ورجوته ألا يفكر على هذا النحو.

●●●

وعاد «مبارك» مرة أخرى إلى خلافى مع الرئيس «السادات»، وكان فى واقع الأمر يفصح عن آرائه هو نفسه ــ يقول:

ــ «السادات» كان على حق، لا أعرف لماذا اختار الرئيس «جمال» صداقة السوڤييت، وهم ناس «فَقْرى»، و«السادات» اختار الأمريكان وهم «المتريشين» (يقصد الأغنياء)، أكبر خطأ وقع فيه الرئيس «عبد الناصر» هو الخلاف مع أمريكا.

استطرد: «وبعدين الرئيس «أنور» اختار السلام مع إسرائيل، والرئيس «جمال» كان لابد أن يعرف أنه لا فائدة من الحرب مع إسرائيل».

واستطرد: «اليهود مسيطرين على الدنيا كلها، وأنت تعرف أكثر!!

اسمعها منى لا يستطيع أحد أن يختلف مع أمريكا».

أنا أعرف أنك كنت من أنصار علاقات طيبة مع أمريكا ــ فلماذا غيَّرت رأيك؟!!».

وأجاب بنفسه على سؤاله:

ــ «يا عم»، الذى لا يعرف أن أمريكا هى أقوى قوة فى العالم ــ «يعك».

ولم أعلق على الكلمة، ففى أثناء الحديث سمعت من هذا النوع من الكلمات «عينات» متكررة.

ورحت أشرح له رأيى:

ــ «أننى لا أختلف على أن أمريكا هى أقوى قوة فى العالم، ولكن المسألة هى: من أى موقع يتعامل الأطراف مع القوة الأمريكية» (استطردت وبشكل ما فقد قصدت أن يصل إليه ما كنت أقول)، إذا تعاملت مع أمريكا من منطق أنك تحتاج إليها، فلن تصل إلى شىء، وإذا تعاملت معها باعتبار أنها فى حاجة إليك، فقد تنجح».

وقاطعنى:

ــ «تريد أن تقول لى إن أمريكا تحتاج إلينا ــ طبعا لا ــ نحن الذين نحتاج إليها!!».
وقلت:

ــ «سيادة الرئيس.. إن الاحتياج لابد أن يكون متوازيا فى السياسة الدولية، وإذا جاء الاحتياج من طرف واحد ــ إذن فهو عالة على غيره، وحتى إذا قبل هو، فإن الطرف الآخر لن يقبل، ببساطة لأن السياسة الدولية ليست جمعية خيرية!!».

وأضفت:

ــ «أنه هنا أهمية موارد مصر الاستراتيچية، وقدرتها على إدارة هذه الموارد، وهنا مثلا أهمية انتماء مصر العربى.

بمعنى إذا لم تكن مصر من هذه الأمة العربية بالطبيعة، فلابد أن تكون منها بالضرورة.

بصراحة، أنا قومى عربى باقتناع، وبطبائع الأشياء فإن أحدا لا يستطيع الاقتناع إلا بما يتوافق مع مصلحة وطنه كما يقدرها ــ وفضلا عن اقتناعى ــ مبدأ ــ بعروبة مصر، فإننى مقتنع بضرورة هذه العروبة أيضا لمصر، وكذلك لكل بلد عربى».

ثم قلت:

«فارق ــ سيادة الرئيس ــ بين أن تتعامل مع أمريكا كمصر فقط ــ وهى بلد مثقل بحجم سكانه، محدود فى طاقة موارده، وبين أن تتعامل معها وهى وسط العالم العربى ــ بكل قوة الأمة، وبجميع إمكانياتها ومواردها!!

السادات وكارتر

●●●

زدت على ذلك:

ــ هذا أيضا ــ سيادة الرئيس ــ هو ما يمكن أن يعطيك تأثيرا فى العالم الثالث كله وفى العالم الأوسع، إذا كنت وحدك، فالتأثير محدود، وإذا كنت وسط كتلة كبرى، إذن فهناك حساب آخر لتأثيرك».

أضفت: «مذكرا الرئيس بحوار منشور لى مع «كيسنجر» يوم 7 نوفمبر 1973، فى أعقاب حرب أكتوبر، وكان هو الآخر قد اقترح عليَّ فى حينها أن أقتصر فى كلامى معه على ما يخص مصر وحدها، دون العالم العربى، وكان ردى عليه: أنه يريد أن ينزع أهم أوراقى التفاوضية من أول لحظة».

وذكرت له كيف قلت لـ«كيسنجر» وذلك منشور فى مقال لى فى «الأهرام» ذلك الوقت:

ــ دكتور «كيسنجر»: أنت أستاذ علوم سياسية، ولا يصح لى أن ألف وأدور معك أو ألعب «الاستغماية» Hide& seek، ولذلك أحدثك بصراحة:

إذا اقتصر اهتمام مصر على قضاياها وحدها، فهى تحتاج لكم.

إذا كانت مصر وسط أمتها العربية فأنتم تحتاجون لها.

ولذلك دعنا من أول لحظة نتفق على أن اهتمامات مصر حتى بصرف النظر عن هويتها ــ عربية، وهى تريد علاقات طيبة معكم، لكن عليكم أن تقدروا بأنفسكم أنكم أيضا فى حاجة إلى علاقات طيبة معها.

(والحقيقة أننى قصدت أن أتوسع أمام «مبارك» فيما قلت لـ «كيسنجر»، حتى تصل وجهة نظرى إليه، دون أن تتبدى «وعظية» إذا وجهتها مباشرة إليه).

جمال عبد الناصر وبرجينيف
●●●

وقطع «مبارك» سياق كلامى قائلا:

ــ «هذا هو ما جلب لنا المشاكل، والحقيقة أننى مختلف معك ــ وموافق مع الرئيس «السادات» ــ فمشكلتنا أننا تحملنا بمشاكل غيرنا وليس مشاكل مصر وحدها، نقتصر عليها ونحلها بأسلوب عملى».

وقلت: لا أظن أن هناك ــ فى عزلة عن العالم العربى ــ حلا لمشاكل مصر وحدها ــ لا خيالى ولا عملى!!

●●●

عاد الرئيس «مبارك» إلى حديث «أمريكا» ــ قائلا:

ــ «أنت تنسى أنه لا أحد يستطيع مساعدتنا على إسرائيل إلا أمريكا، العرب شمتوا فينا سنة 1967، مع أنهم هم الذين ورَّطونا فى الحرب».

وأضاف:

ــ «أنا أعرف «الأسد» (يقصد «حافظ الأسد») من أيام الطيران، وهو قال لى إن «حزب البعث» قصد توريط «عبد الناصر» فى حرب سنة 1967».

واستطرد فى تفاصيل علاقته مع «حافظ الأسد».

وقلت: «إننى معه فى أن نظما بعينها هنا وهناك حاولت مرات توريط «عبد الناصر»، ثم رُحت أشرح له بعض ظروف القرار السياسى سنة 1967، وضمنه ــ وبصرف النظر عن التربص الخارجى ــ أن القرار المصرى وقع فى أخطاء لم يكن هناك مبرر لها، أخطرها قرار الانسحاب من سيناء بكل القوات فى ليلة واحدة (7 يونيو 1967)».

وأخذنا هذا الحديث إلى كلام إلى تفاصيل متشعبة عن ظروف وملابسات سنة 1967، وحكى لى أنه كان مع سرب القاذفات المتمركزة فى مطار «بنى سويف»، وقال إنه قرأ التحقيقات التى جرت عن تلك الحرب، لأن الرئيس «السادات» عينه رئيسا للجنة كتابة التاريخ عندما كان نائبا له، وأنهم استطاعوا فى اللجنة أن يجمعوا أكثر من مليونى ورقة من الوثائق، وأنه اطلع على بعضها بنفسه، لكن ضيق الوقت لم يمكنه من قراءة الكثير».

أضاف «أنه مع ذلك يعتقد أن علاقاتنا مع أمريكا من ألزم الضرورات، وبالتحديد فيما يتعلق بإسرائيل».

ثم استطرد وهو يهز رأسه:

ــ «بعض الناس يريدوننى أن أقيم علاقات كاملة مع إسرائيل ــ ويريدون ذلك الآن ــ ولكن عليَّ الانتظار ــ أنا أنتظر على أحر من الجمر أن يجىء أبريل ويخرجوا من الأرض المصرية كلها».

أضاف: «هل يظن الناس أن التعامل مع الإسرائيليين يسعدنى؟! ــ هناك فارق بين أن أعترف بقوة إسرائيل، وبين أن أحبها!!».

ثم استدرك:

«محمد» (بيه) أقسم لك أنهم «يسمُّون بدني» فى كل مرة ألتقى «بواحد منهم»، أتضايق منهم ويفوت منى موعد نومى وأسهر الليل أشتمهم».

وقلت: «إننى أفهمه، لكنه من حسن حظى أننى لست مضطرا لمقابلتهم، ولهذا فأنا كمبدأ لم أقابل منهم أحدا».

وقال بسرعة: «ولكن كيف تستطيع أن تفعل ذلك إذا كنت مسئولا؟!».

وقلت: «ولكنى والحمد لله غير مسئول».

عبد الناصر يترأس إحدى القمم العربية
●●●

وقال الرئيس «مبارك»:

ــ هذا موضوع كنت أريد أن أكلمك فيه».

ثم استطرد قائلا برقة بادئا بكلام كريم، لكن نبرة العتاب تشيع فيه:

«الرئيس أنور» تعب معك حتى تتعاون معه».

وسألته: «كيف يستطيع أحد أن يتعاون فى سياسة لا يؤمن بها؟!».

قال: «تستطيع أن تساعد دون أن تتعامل مع إسرائيل».

وقلت: «إن منصب الوزارة عرض من سنة 1956، وكنت لا أزال شابا قد تغريه المناصب، والرئيس «السادات» عاد بعد ذلك فعرض عليَّ منصب نائب رئيس الوزراء، أو رئيس الديوان السياسى».

وقال: «أعرف ذلك، ولم أقصد أن أحدثك عن منصب».

أسألك سؤالا صريحا ومحددا ــ قالها وهو يتطلع إلىَّ مركزا: «ما رأيك أن تدخل الحزب الوطنى؟!!».

وبدا أننى أصبت برعب، وقلت له: إننى لم أدخل الاتحاد الاشتراكى مع «جمال عبد الناصر» رغم عمق صداقتنا ورغم إلحاحه مرات ــ لأنى لا أعتقد فى هذا النوع من التنظيمات السياسية التى تقوم فى حضن السلطة، وفضلا عن ذلك فلست من أنصار أن ينتمى الصحفى حزبيا».

●●●

سكت قليلا ثم سألنى:

«إذا لم تكن تفكر فى دخول الحزب، فماذا تنوى أن تفعل؟!».

أضاف: «لا يُعقل أنك سوف تجلس فى بيتك ساكتا!».

وقلت ضاحكا:

«أنه ليس له أن يقلق، فأنا لا أنوى الانضمام إلى قائمة المتعطلين الذين يبحثون عن عمل».

أضفت: «لديَّ عقود لكتب جديدة مع «الناشرين» فى لندن ونيويورك بعد ستة كتب سبقت، تُرجمت وجميعا من الإنجليزية إلى لغات كثيرة، وآخرها كان كتاب «عودة آية الله» The Return of The Ayatollah عن الثورة الإيرانية، وقد صدر فى أوروبا وأمريكا أثناء وجودى فى السجن، وقد تُرجم حتى الآن إلى سبع عشرة لغة ــ ثم إنه فور خروجى من السجن اتصل بى «أندريه دويتش» وهو أكبر الناشرين فى لندن، وسألنى إذا كان فى استطاعتى أن أقدم لهم بسرعة كتابا عن السبب الذى دعا إلى اغتيال «السادات»، وهو فى رأيهم «بطل السلام»، وقد قبلت عرضه، وذلك ضمن ما سوف أناقشه فى سفرة قريبة إلى لندن».

وقاطعنى: «كتاب عن الرئيس «أنور»؟!!

وقلت: «ليس عنه، ولكن عن عملية الاغتيال بالتحديد، وقد عثرت على عنوانه وأنا فى السجن، فقد كنت أفكر فى شىء من هذا القبيل، حتى قبل أن يتصل بى أحد من لندن، وعثرت أثناء تفكيرى فيه على عنوان له: «خريف الغضب»!.

وكرر الرئيس عنوان الكتاب المقترح كما سمعه منى، وبدا حائرا فى فهم مقصدى به، لكنه تجاوز حيرته.

وعلَّق بقوله: «ولكن هذا سوف يسبب لك مشاكل كثيرة، لأن الرئيس «أنور» له «جماعات كبيرة»!».

وقلت: «أما عن المشاكل فقد تعوَّدت عليها، ثم إننى أرجوك أن تعرف أن الرئيس «السادات» كان صديقا، وليس مشكلة أن تختلف آراؤنا، وأن تتباعد الطرق بيننا، لكن ذلك لم يترك أثرا لدىَّ».

زدت على ذلك: «أنه عندما وقع اغتيال الرئيس «السادات» وعرفت به فى السجن، فإنى بكيت عليه بصدق، وساعتها زال كل أثر للخلاف وما ترتب عليه، لأن الدم والدموع غسلت كل شىء!!».

●●●

وجاءنى تعليقه مفاجئا:

«لم أكن أعرف أن الكتب «شغلانة كويسة»!!

وقلت: «أننى لا أعرف تصوره لـ «الشغلانة الكويسة»، لكن الكتابة بالنسبة لى حياتى كلها!!».
وعاد يسألنى:

«ولكن ألا تفكر فى العودة للصحافة المصرية؟!».

وقلت:

«إن ذلك بعيد عن تفكيرى تماما، فقد اعتبرت أن دورى فى الصحافة المصرية انتهى بخروجى من «الأهرام»، وأوثر أن أترك المجال لآخرين، وكذلك لأجيال أخرى».

ووجدها فرصة يعود بها إلى اقتراحه، فقال: «خسارة ألا يستفيد منك البلد» ــ وسألته: «ألا يرى فى وجود صحفى وكاتب مصرى فى مجال النشر الدولى فائدة للبلد؟!!».

وشرحت بعض التفاصيل عن حجم النشر الدولى، سواء فى الكتب أو فى الصحف، وبالتحديد عندما يقع الجمع بين الاثنين، فيصدر كتاب، ثم تُنشر فصول منه فى آلاف الصحف على اتساع العالم.

●●●

ورد بأنه مازال يرى «أن أنضم إلى الحزب الوطنى، والمجال فيه بلا حدود»!!

وقلت: «أنت تريد أن تضمنى إلى الحزب الوطنى، وأنا وغيرى نريدك أن تخرج منه».

وسألنى عن السبب، وهل الأحزاب «بعبع»، أو أنها وسيلة العمل السياسي؟! ــ وقلت: «الصحفى بصفة عامة يتعامل مع الأخبار، والأخبار لها استقلالها، وتلوينها بظلال التحزب، مخالف لقيمتها ومصداقيتها».

واصلت الحديث:

ــ ولعله يتذكر يوم جئناه من المعتقل قبل أيام ــ أنه سمع بعضنا يناشدونه مباشرة لترك رئاسة الحزب الوطنى، وقلت إنه فى العادة وفى النظام الرئاسى بالذات، فإن الرئيس حتى وإن كان منتميا إلى حزب، يجمد انتماءه لهذا الحزب فترة رئاسته.

وقال بلهجة قاطعة: «لو تركت الحزب فسوف يقع».

وقلت: إذن فإن الحزب لا وزن له فى حد ذاته، وهو يستمد وجوده من السلطة، وليس من الناس، وهذا هو الخطر.

قال:

ــ «تخوفك من الحزب الوطنى مُبالغ فيه، ووجودى فيه ليس المشكلة، المشكلة فى العمل التنفيذى، فى الحكومة وأنت تعرف حجم المشاكل، وزاد علينا خطر الإرهاب، والناس تطلب «لبن العصفور»، ولابد من الاستقرار قبل أن نستطيع عمل أى شيء، والجماعات الإرهابية كامنة، وتنتشر تحت الأرض».

●●●

وبدورى قاطعته:

ــ «والنظام يساعدها».

واستغرب ما قلته وهو يسألنى:

ــ «النظام يساعدها ــ كيف؟!».

قلت له: «هناك بالطبع المشاكل الاقتصادية الاجتماعية، وهذه مشاكل ثقيلة، لكن هناك أشياء أخرى منها مثلا كثرة البرامج الدينية البعيدة عن قيم الدين، وكثرة الفتاوى فيما لا علاقة له بروح الدين.. كل هذا يسيء ــ لكن كله يشحن!!».

وزدت فقلت: «إننى سألت أحد زملائنا القُدامى فى مركز الدراسات السياسية والاستراتيچية فى «الأهرام» أن يدرس مساحة البرامج الدينية على الإذاعة والتليفزيون، وفوجئت حين قيل لى إن نتائج بحثه فى الموضوع، أظهرت أن أكثر من 27% من مساحة البرامج ــ دينية، أو ذات طابع دينى، وأنا رجل من أسرة متدينة، وأعرف قيمة الدين هداية وعصمة، ثم إننى من أسرة كان أول تقاليدها أن يحفظ أبناؤها القرآن، وقد حفظته كله، لكنى لا أستطيع أن أتصور بعض ما يُقال فى البرامج الدينية.

أضفت آسفا: إننى سمعت بنفسى من «إذاعة القرآن الكريم» من القاهرة، وفى معرض برنامج من برامج التواصل مع السامعين، سائلا يستفسر عن «كيفية الاغتسال بعد ممارسة الجنس مع بقرة»، وبقدر ما أفزعنى السؤال، فقد أفزعنى أكثر أن أحد الشيوخ جاوب عليه، وراح يحدد لسائله وسائل الاغتسال المطلوبة فى تلك الحالة!!».

وأغرق «مبارك» فى الضحك ــ ثم قال:

ــ «التوسع فى البرامج الدينية ضرورى، لأننا لابد أن نواجه الإرهابيين على أرضيتهم، ونأخذ منهم الناس».

وقلت:

ــ «المشكلة أنك إذا واجهت الإرهابيين على أرضيتهم، وبهذه الطريقة، فسوف تقبل الاحتكام إلى قانون لا تعرف مصدره، ولا تعرف نصه، ولا تعرف قاضيه».

وتوقف عند هذا التعبير وبدت عليه الحيرة، وقال لي: «هل يمكن أن تفك لى هذا الكلام «الملعبك»؟!!

وحاولت شرح وجهة نظرى بأسلوب آخر!!

وقال وهو يعاود الضحك:

ــ «هل علىَّ أنا أيضا أن أهتم بالرجل الذى يعشق (استعمل لفظا آخر غير العشق!) ــ بقرة؟!!».

وقلت له بسرعة: «لا أحد يتصور أن يطلب منك ذلك، ولكن الناس تطلب رؤية للمستقبل مقنعة».

●●●

ووصل الحديث بنا إلى أسلوب عمل رئاسة الدولة، واقترحت «أنه من الضرورى والرئاسة بهذا الدور المركزى ــ أن يُعاد تنظيمها بطريقة ملائمة للعصر».

وسألنى عما أعنى، وقلت:

«إننى لاحظت منذ خرجنا من المعتقل قبل أسبوع، أن الرئاسة تُدار بأسلوب يحتاج إلى مراجعة».
وكان يسمعنى باهتمام، وواصلت:

«إننى سمعت من أصدقاء بينهم «فؤاد سراج الدين»، و«ممتاز نصار»، أنك بعثت إليهم برسائل منك أو ملاحظات مع «أسامة الباز»، وذلك حدث معى شخصيا أيضا ــ و«أسامة» كما تعرف صديقى، وكان يعمل معى لسنوات، وأنت تثق فيه ولا أفهم لماذا تجعله يعمل بطريقة «بائع متجول على عربة يد»، تبعثه برسالة إليَّ، أو رسالة إلى غيرى، لماذا لا تعين «أسامة الباز» وزيرا لشئون رئاسة الجمهورية، وتُنشئ له مقرا فى القصر الرئاسى يعرفه الناس، وتكلفه بإنشاء مكتب فيه خبراء فى القانون والاقتصاد، ومتحدث رسمى باسم الرئاسة يعبر عن رؤاها فى الداخل وفى الخارج، وبذلك يكون هناك مصدر معروف تصدر منه الرسائل والتوجُهات، ومقر يذهب إليه الناس للاتصال والتشاور!!

وقال بلهجة تنم عن تردد:

ــ «المسألة أننى لا أريد أكرر ما يسمح بظهور مركز قوة فى الرئاسة، وأنت تعرف تجربة «سامى شرف» مع الرئيس «جمال»، المشكلة أن وجود رجل فى مثل هذا الوضع قد يؤدى إلى عُزلة الرئاسة عن الناس بوجود رجل يستطيع أن يحجب ويسمح بما يشاء، وهى مشكلة عرفناها».

وقلت: «إن الأمر يتوقف على شخصية الرئيس، وأسلوب عمله، ومع ذلك فدعنى أقل لك إن «سامى» مظلوم فى بعض ما قيل عنه، ومع ذلك فإن الأمر يتعلق بك أنت وأسلوب عملك».

وأضفت:

«وأنا شخصيا أرى أن ترسل أحدا إلى البيت الأبيض فى واشنطن، أو إلى «10 دواننج ستريت» فى لندن، ليدرس كيف تُدار مكاتب رؤساء الدول فى هذا العصر الجديد، وتقرر ــ أنت ــ على هذا الأساس أى نظام يحقق لك ما تريد بأقصى قدر من الكفاءة!!».

وحدثته عما أعرفه عن تنظيم البيت الأبيض ــ ومجلس الأمن القومى ــ ونظام العلاقات مع الكونجرس ــ ومع الحزب ــ ومع الإعلام ــ وعن مؤسسات السلطة فى الداخل والخارج.

وحدثته كذلك عما أعرفه عن تنظيم «10 دواننج ستريت»، وعن مطبخ القرار السياسى، وعن مكتب الاتصال مع الحزب فى المعارضة أو فى الحكم، وعن منصب سكرتير عام مجلس الوزراء الذى يرأس المجلس التنفيذى للوكلاء الدائمين للوزارات».

وقلت: «إننا نحتاج إلى دراسة تجارب الآخرين».

وقال: «مازلت أفضل أن أعمل مباشرة بمجلس الوزراء كله.. المجلس هو مكتبى، هو نفسه سكرتارية الرئيس!».

وقلت: «إن ذلك مستحيل عمليا، ولابد أن يكون للرئيس مكتب فيه خبراء للشئون السياسية والقانونية والاقتصادية، يدرسها ويقدم له توصيات بشأنها، وإلا فإن الرئيس ليس أمامه فى هذه الحالة إلا أن يوقع مشروعات المراسيم بقوانين كما تصل إليه من مجلس الوزراء، وفى هذه الحالة فإن الرئاسة لا تعود مركز توجيه العمل الوطنى، وإنما تصبح توقيعا وختما على المراسيم، يحولها إلى قوانين!!».

وبدت عليه أعراض تحيُّر، وقال:

ــ «كلامك فيه منطق، و«أسامة الباز» له معى تجربة طويلة!».

قلت: «هو موضع ثقتك وهذا مهم، وأنا أعرف أن «أسامة» لديه «شطحات بوهيمية» فى بعض الأحيان، لكنه من المحتمل أن بعض ذلك عائد إلى أنه يعمل بلا مكتب وبلا مؤسسة معه، وإنما هو رجل وحده، وهذا ما قصدته ــ بصراحة ــ حين قلت لك إن الرئاسة تعمل بمنطق «البائع المتجول».

وقال بما بدا لى أنه على استعداد للبت فورا فى المسألة:

ــ «لك حق، ولابد أن يفهم «أسامة» أن عليه العمل بطريقة منظمة».

ثم رفع سماعة التليفون وطلب توصيله بـ«أسامة الباز»، وبعد خمس دقائق دق التليفون ورفع الرئيس سماعته، ثم التفت إليَّ يقول:

ــ «هل رأيت ــ «أسامة» ليس هنا، بحثوا عنه فى كل مكان، ولم يعثروا له على أثر».

وقلت دفاعا عن «أسامة»:

ــ «لابد أنك كلفته بمهمة فذهب إليها».

وقال «مبارك»: «سوف أرسله إليك فى مكتبك، وقل له كل ما تتصوره حتى أناقشه معه وأقرر».

●●●

وقارب اللقاء نهايته، وبينما أهُمْ بالقيام ــ استدعى الرئيس «مبارك» أحد أفراد سكرتاريته، وطلب منه أن يكتب على ورقة كل أرقام التليفونات الخاصة بمكتبه، بما فيها تليفونه الشخصى، طالبا أن أتصل به «فى أى وقت».

وقلت للرئيس:

«إن هذه رخصة أعتز بها لكنى لا أنوى استعمالها، وأفضل ترك أمر الاتصال فى أى وقت له، فهو رجل مشغول على الآخر، وجدول أعماله يجب أن يكون ملكه، دون إلحاح عليه من أحد».

وأضفت: «لو أننى استعملت هذا الترخيص الذى تفضَّل بإعطائه لى، لما كففت عن إبداء الملاحظات، وأول الدواعى أننى مختلف مع مجمل السياسات المُعتمدة، وإذا رُحت أبدى رأيا فى كل ما أشعر بالقلق منه، فسوف أجد نفسى أقوم بدور من «لا يعجبه العجب»، وذلك دور لا أحبه!!».

ورحنا نمشى نحو الباب، ولمح «مبارك» مصوِّر الرئاسة المشهور، الأستاذ «فاروق إبراهيم» يتحرك من بعيد، والتفت نحوى قائلا: «دعنا نلتقط صورة معا»، وقلت للرئيس صراحة: «أننا نستطيع أن نستغنى عن الصورة، وربما كان ذلك أفضل».

ووقف فى مكانه وتطلع إليَّ وهو يعلِّق: «غريبة ــ الناس يجيئون إلى مقابلتى وليس لديهم غرض إلا هذه الصورة».

وقلت: أننى كنت أقابل «جمال عبد الناصر» مرتين وثلاث مرات فى الأسبوع، وكذلك «السادات»، وكانت اتصالاتنا التليفونية عدة مرات كل يوم، ومع ذلك لم تُنشر صورة للقاء، ولا خبر عن اتصال تليفونى، وأنا لا أفهم «بدعة» نشر أخبار أو صور لقاءات الصحفيين مع الرئيس، لأن هذه «طبائع أشياء»، و«طبائع الأشياء» ليست خبرا ــ وتدارك قائلا: «والله لك حق، إننى أقابل كل الناس ولا يحدث شيء، لكنه عندما «عرفوا» أننى سأقابلك ــ «ولعت «اللمبة الحمراء» فى الصحافة وفى الحكومة وفى الحزب».

ولم أملك نفسى، فقلت:

«سيادة الرئيس.. هل هناك بالفعل حزب؟!».

وهز رأسه قائلا: «أنت مصمم على رأيك فى الحزب، الحزب مهم فى الاتصال بالناس وفى «تمرير القرارات»، ولفتت الكلمة الأخيرة نظري!!».

●●●

ومساء نفس يوم المقابلة اتصل بى «أسامة الباز»، ومر علىَّ فى مكتبى، يحمل فى يده دفترا من الـ Yellow Pad الذى يستعمله القانونيون فى الولايات المتحدة الأمريكية، وبادرنى قبل أن يجلس أمامى: 

ــ ما الذى اقترحته على الرئيس؟!! 

ورويت له أطرافا تخصه مما دار فى حديثى مع «مبارك»، وكان رده: 

ــ «أنت تضيع وقتك، هو له طريقة فى العمل مختلفة، وهو يفضل أن يسمع من هنا ومن هناك، ويتصرف بما يرى (وهذا كلام لك)، وسوف ترى. 

وهو لن ينشئ وزارة لشئون رئاسة الجمهورية، ولن يعيننى وزيرا لها». 

وتشعَّب الحديث بيننا، وأثناء خروجى لاحظ «أسامة الباز» وهو يمر عليَّ حيث أجلس فى مكتبى، أن هناك أوراقا كثيرة مكتوبة بخطى، وبمعرفة سابقة ووثيقة فإنه قال لي: «أراهن أن هذه الأوراق كلها نقط حديثك معه». 

وقلت: «إن ما خطر له صحيح».